حقوق السودانيات… تعديل غير كافٍ لقانون الأحوال الشخصية

عاد سجال قانون الأحوال الشخصية إلى الشارع السوداني أخيراً، بعدما بدأت لجنة شكلها وزير العدل نصر عبد الباري مهمتها الخاصة في إعداد مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية. وتقول مصادر لـ”العربي الجديد” إنّ اجتماعات اللجنة الوزارية تجرى بصورة منتظمة، وتجتهد في إعداد مسودة أولية ترفعها إلى عبد الباري قريباً. وهي مرحلة أولية، تعقبها مرحلة ثانية تحوّل فيها اللجنة مسودتها إلى نقاش مع كثير من المجتمعات والقطاعات ذات الصلة.
منذ عام 1991 يسود قانون للأحوال الشخصية يتحفظ عليه كثيرون، خصوصاً بنود سنّ الزواج – المحدد بعشر سنوات للفتاة – والولاية في الزواج، وبنود الطلاق والعصمة، والميراث، وإثبات النسب، والنفقة، وغيرها. وفي يوليو/ تموز الماضي، أجرت الحكومة الانتقالية تعديلاً مهماً في القانون، شمل بندين جوهريين، الأول تجريم ختان الإناث الذي كان مسموحاً به بموجب القانون، والثاني السماح للمرأة باصطحاب أطفالها للسفر خارج البلاد من دون إذن أو موافقة الأب، وذلك في حال انفصال الزوجين.
وعلى الرغم من أهمية التعديلين، فإنّهما لم يُرضيا الجماعات الحقوقية ومنظمات الدفاع عن حقوق النساء، التي ما زالت تصرّ على إلغاء قانون الأحوال الشخصية بالكامل، وسنّ قانون جديد يواكب مرحلة التغيير في السودان بعد الثورة، ويتلاءم مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية. هذا ما تنادي به الدكتورة والناشطة الحقوقية إحسان فقيري، التي تقول إنّه ليس من المقبول بالنسبة لهن كنساء سودانيات إجراء تعديلات سطحية على القانون الحالي، فالأكثر إلحاحاً هو التغيير الكامل للقانون، بما يمنح المرأة كلّ حقوقها التي سلبت منها طوال العقود الماضية. توضح فقيري لـ”العربي الجديد” أنّه حتى اليوم، وبعد التطور التاريخي والمجتمعي، ليس للمرأة قرار في زواجها على سبيل المثال، على العكس مما يحدث في كثير من المجتمعات العربية والأفريقية، إذ توقع المرأة بنفسها على عقد زواجها. وتشير إلى أنّ مطالبتهن بإلغاء النص الخاص بوجود ولي للمرأة في عقود الزواج لا يعني بالنسبة لهن نفض أيديهن من الجو الأسري، ورفض الأب أو الأخ، بل إنّ من الواجب أن يكون الزواج قراراً خالصاً للمرأة وحدها.
تضيف فقيري أنّ النقطة الثانية الأكثر قلقاً للمجتمع السوداني تتصل بزواج الصغيرات القائم في القانون الحالي، مبدية استنكارها لأن يكون سنّ الزواج للإناث 10 سنوات، واقترحت أن يكون السنّ 18 عاماً، ذلك لأن الهرمونات في جسم المرأة لا تستقر قبل هذا العمر، لافتة إلى أنّ تجربة زواج الصغيرات المستمرة في البلاد تسببت في مشاكل أسرية ونفسية وصحية للصغيرات، خصوصاً أثناء الحمل والولادة، فيما التعديل في هذا البند يجب أن يتماهى مع القوانين الدولية.

نساء السودان… معركة من أجل حكم الولايات
النقطة الثالثة التي يجرى التحفظ منها، حسب إحسان فقيري، تتصل بالطلاق الذي هو حكر بموجب القانون على الرجل، ويرميه في وجه الزوجة بكلمة واحدة هي “أنتِ طالق”، وإذا قررت الزوجة الطلاق، بعد يأس من الحياة مع الزوج، عليها أن تذهب إلى المحكمة، في المقابل، لترفع قضية طلب طلاق، وقد تحتاج إلى سنين حتى تحصل عليه وربما لا تحصل، وقد تتعرض لعملية ابتزاز من الزوج أثناء سير المحكمة، تصل إلى حدّ الحرمان من رؤية أبنائها، كما قد يتلكأ الزوج في الطلاق حتى يتأكد من وصول المرأة إلى سنّ يحدّ من فرصها بالزواج مرة أخرى. بالتالي، لا بدّ من أن تُعطى الزوجة حق الطلاق كالرجل، كما تقول فقيري.
وتشير إلى أنّ النصوص الخاصة بالميراث التي تستند إلى اجتهادات فكرية، حتى، تقوم على التوصية بالميراث للمرأة، وليس على الأمر الموجب، وبالتالي تحتاج هي الأخرى إلى اجتهادات. ورداً على الحجج عن التدرج في أيّ تعديلات جديدة، حتى يحدث تغيير مجتمعي يسبق التغيير القانوني، تقول فقيري إنّ الحملات المناهضة لقانون الأحوال الشخصية بدأت منذ عام 1952، ونجحت في إلغاء كثير من البنود، مثل إعادة الزوجة إلى بيت الطاعة، التي كانت الشرطة تتولى تنفيذها، مؤكدة أنّ الوقت مناسب جداً الآن لكي تطرح المرأة كلّ مشاكلها المجتمعية.

أما المحامي كمال الجزولي، فيبدو مهموماً أكثر بأهمية تعديل البنود الخاصة بإثبات النسب في المحاكم، إذ ما زالت مفاهيم المحاكم قديمة، لا سيما في ما يتعلق بشهادة المرأة التي لا تُقبل إلاّ إذا كانت معها امراة أخرى، مشيراً إلى أنّ بعض المحاكم تعمل بهذه المفاهيم، على الرغم من أنّ القاضي فيها امرأة، وهي مفارقة واضحة، مؤكداً أنّ تلك المفاهيم لا تستند إلى منطق، ولا بدّ من مراجعتها. يقول الجزولي لـ”العربي الجديد” إنّ إثبات النسب في القانون المعمول به حالياً وعبر محاكم الأحوال الشخصية لا يجرى باعتماد الطرق والفحوص الطبية الحديثة، مستشهداً بقبول الأزهر في مصر واعترافه بفحص الحمض النووي لإثبات الأنساب، وهو ما يتطلب إدخال نص في القانون المنتظر يراعي ذلك. ويؤكد الجزولي أنّ الدعوات لإلغاء القانون الحالي والإتيان بقانون أكثر تطوراً هي في غاية الأهمية.
من جهتها، تعتبر رندا عبيد، مقررة مبادرة “حقنا كامل” التي تنشط في الدفاع عن حقوق النساء، أنّ إحباطاً أصاب كثيرين بعد الثورة بسبب عدم اكتمال التغيير، خصوصاً في تجلياته المجتمعية، وبالتحديد في ملف قانون الأحوال الشخصية. تقول لـ”العربي الجديد” إنّ المبادرة، بالتنسيق مع مجموعات أخرى، تستخدم أدوات الضغط كافة لأجل تعديل قانون الأحوال الشخصية، وهي بصدد إعداد نصّ قانوني يقدم كمقترح لوزير العدل بالتماشي مع جهد اللجنة الحكومية المعينة. وتوضح عبيد أنّ الاتحاد النسائي الذي تنشط فيه أيضاً، يتحرك هو الآخر، وقد شدد في حملته على وضع قانون مدني للأحوال الشخصية، يعتمد بالدرجة الأولى على مبادئ الحقوق والواجبات.

ويساند مطران الكنيسة الكاثوليكية مايكل ديدي مانقوريا فكرة القانون الذي يجمع كلّ السودانيين من دون تمييز ديني أو غيره، وتتناسب الفكرة مع العادات والتقاليد والحقوق، في خصوص الزواج. يقول لـ”العربي الجديد” إنّ قرار المرأة بخصوص زواجها حق إنساني في المقام الأول، داعياً إلى حوار واسع حول القانون الجديد، يشترك فيه جميع السودانيين للوصول إلى توافق عام حول كلّ القوانين وليس قانون الأحوال الشخصية فقط.
على الجانب الآخر، يعترض الدكتور إبراهيم الكاروري، النائب السابق ومدير جامعة “أم درمان” الإسلامية وأحد الذين شاركوا في إعداد قانون الأحوال الشخصية المطبق حالياً، على محاولات إجراء تعديلات في القانون أو إلغائه، من ناحية إجرائية وأخرى موضوعية. في الأولى يرى أنّ طريقة اختياراللجنة المعنية مختلة جداً لأنّ الذين عيّنوا فيها ليس لديهم التخصص الكافي في 3 محاور أساسية: الخبرة في القانون، والمعرفة بطبيعة وقيم وأخلاق المجتمع السوداني وعاداته وتقاليده، بالإضافة إلى عدم الإلمام بالشريعة الإسلامية، معتبراً أنّهم ليسوا أكثر من ناشطين سياسياً يحملون جملة تناقضات وانفعالات.

يقول الكاروري لـ”العربي الجديد” إنّ السودان، وبسبب طبيعة المرحلة الانتقالية الحالية، غير مؤهل لإجراء تعديل في القوانين ذات الحساسية العالية، والمسار الصحيح هو ترك مثل هذه المواضيع إلى ما بعد انتخاب برلمان جديد، يستمد نوابه قوتهم من التفويض الشعبي الذي يحصلون عليه. موضوعياً، يذهب الكاروري، إلى أنّ السلطة السياسية، منذ عهد الاستعمارالبريطاني، لم تمسّ القضايا المقدسة للشعب السوداني مثل قضايا الزواج والطلاق وسائر العلاقات الأسرية، لأنّها من الثوابت، ولن تستطيع الآن أيّ جهة العبث بها، وتشويه الهوية السودانية وإضعاف قيم الدين. ويرفض الكاروري الاتهامات التي تطاول تلك القيم في إجبار الفتاة على الزواج، إذ يؤكد أنّ للفتاة مطلق الحرية في الاختيار، والباب مفتوح أمام أيّ اجتهادات فقهية في حدود الشريعة الإسلامية، أما في غير ذلك فلا يمكن قبوله وتمريره.
يتفق المحامي كمال عمر مع الكاروري، على الرغم من إقراره بوجود أخطاء في القانون السابق، قامت بحسب تقديره على مذاهب متخلفة، لا تلقي بالاً لحرية المرأة. ويقول عمر لـ”العربي الجديد” إنّ لجنة وزير العدل، والوزير نفسه، يريدان هدم المعتقدات والأصول الإسلامية من دون أيّ تفويض شعبي، ويوضح أنّ أيّ مشروع قانون يخرج من تلك اللجنة سيواجه بالرفض المجتمعي الكامل.

al araby