روبرتو خواروث وتمزّقات داخليّة في فلسفة الزن

يتجلّى للبصيرة بفطنةٍ الباطنُ العميق الذي تضمّنته كتابات الشاعر الأرجنتيني روبرتو خواروث، والظاهرُ الحكيم الذي سخّره عقله لغربلة فلسفته الشعريّة التي تميّزت بالرصانة والإتقان والتفنّن والأفكار المجرّدة من العبثية والتّرويج العاطفي الهامشي والبدع الفانية، وكان حظُّ البلاغة في وصفه وتوصيفه كبيراً، ونال شهرةً ذائعة الصيت فرضت نفسها على محبّيه وكارهيه في آنٍ معاً، فقد أثار جدلاً واسعاً بين مَن شنّ عليه حرب النقد ومَن نزّهه عن التعثّر والتخبّط في متاهات المدرسة الرمزيّة التي آمن بها مثل أقرانه رامبو وبول فاليري وغيرهما. وبالرغم من مزية الإبداع التي تمتّع بها خواروث، إلّا أنّه لم يستطع أن يصيب حظّاً وافراً من خصوبة الإنتاج، وانشغل في ترجمة قصائد شعراء آخرين، بينما عَنوَن قصيدته الوحيدة التي نتج عنها خمسة عشر ديواناً تحت لقب «شعر عامودي»، ولكنّه شِعر متحرّر من كلّ ما هو تقليديّ وكلاسيكي.

غرق الشاعر خواروث في بحرٍ أجّاجٍ من العزلة في غمرةٍ من الإحساسات الداخليّة بالتواري وراء قروح النفس وجروح الصمت، وكأنّه عن العالم في عزلة ميتافيزيقية، لا تحرّكه القواصف أو تزعزعه العواصف عن موقفه ذاك، ولهذا تدرّج نبض قصائده في شكل الهرمسيّة التي تتفرّع عن مدرسة الرمزيّة، وهي نوعٌ من الشعر المحكم المتفرّد الإيقاع، ولكنّه عصيٌّ على سهولة الفهم، يجنح للتعقيد والترميز والتدليل الشاحب من حيث تركيب الصور والمشاهد الخياليّة وتسريب الحقائق الواقعيّة.

وقد تقلّب في الصمت المرير حتّى تسرّبت الكلماتُ من بين أنامله لتسقط في فراغٍ أجوف، وهو يُساق إلى وحدته الصارخة من دون اختيار، وكأنّ ما تحدّدَ له من مكانته هو المسار، والعزلة هي توأم الإبداع الذي تفرّغ له الشاعر بحكمة وأناة، وهو يبتعد عن الفوضى والضجيج الخارجي، ولهذا قَلّت مشاركاته في المهرجانات الشعريّة والمحافل الإبداعيّة، وكأنّ اتّباعَ الحياة بملذّاتها يصدّه عن الترحال الدّاخلي في أعماق نفسه، الذي يكتظّ بتأمّلاته فَسَمت مكانته في دنيا الشعر، وغاب مُنجرفاً في فلسفة الزن التي وصفها في نصٍ نُشر له في كتاب «الحداثة الأدبيّة» الذي ضمّ مفكّرين وشعراء آخرين، مثل بول فاليري وإدواردو لورنسو وإدغار آلن، ويعبّر في هذه الفلسفة عن ممارسةٍ للتفكّر والتجديف داخل النفس البشريّة في دراية وحسم لتنقية الروح من الأدران المقيتة من صفات الحقد والشر والغلّ والغيرة، وتعبر من دنيا الألم والإحباط إلى عالم التطهير، ليسودَ السلام الضمنيّ والتوازن السليم بين الروح والجسد، وقد انتقد بشدّة الطرق التقليديّة المُملّة التي يتمّ من خلالها تدريس الشعر لطلّاب الجامعات. وهو الذي قال عن الشعر: «لو كان الشعر يبحث عن حقيقة ما، فإنّ هذه الحقيقة لا يمكنها أن توجد في مصادفة الكلام أو المعرفة مع حقيقة هي غريبة في أصلها عن الشعر. يكون الشعر حقيقة، وإلا فإنه لا يكون. لا تقع الحقيقة ضمن علاقة خارجية معه، ولهذا حين يعتبر الشعر خلقاً للكينونة، فإنه يكون بذاته الحقيقة العليا».

هو شاعرٌ يتسلّل من شرود الرّيح عن مواسمها، يؤثِر السكون ويحلم بالظلال التي تسكب نفسها في أشكالٍ متخيّلة، يتلوّن مع لازورد خافت يأتيه من جهة الشرق أو هبّات التقلّبات في الغرب، في تمزّقاتٍ سريّة من الحنين المضنى، وقد قال عنه الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث: «كل قصيدة لروبرتو خواروث عبارة عن تبلور لفظي مدهش، وقد اختزل اللغة إلى خرزة ضوء. هو شاعر اللحظات المطلقة، الكبير».

فكأنّه يعانق الصمت حتى الثمالة ويحيل حروفه إلى رقعة ضوء منسيّة، فنجد توحّده الصاخب بما هو غير مرئيّ وتجنّبه مرارة الواقع فيرد تعبيرٌ مجازيّ في قصيدة له يقول فيه: «كلّ شيء يُرخي ظلّه/ حتّى اللامرئي/ ظلّ الفكر/ يخيط شقوق/ الواقع المحتمل/ ظلّ الكلمات/ يقول ما لا تقوله الكلمات/».

وقد سنّ من العدم مصدر الديناميكيّة والحركة، والإرادة النابضة بنبذ الوجع الذي يحكم الإنسان منذ الولادة، ويجعل المادّة تسيطر على مفاصل كيانه وتطلّعاته، فتحرّر من قبضته ومخاوفه، وسخّر جاذبية عالمه الخاصّة لتجسيد منطق المفارقات الإنسانيّة.

ما مَهّد له وبسطَ له جناح الفكر من الجهل هو هذا الطريق الحيّ الذي لم يمت برحيله بل عاشَ كقصر في جنّة الشعر لا تهدم أركانه ولا تُهزم كلماته وأشجانه. ولعلّ هذه القصيدة التي عبّر فيها خواروث عن هذه الحركة الإيقاعيّة الدائمة بين الحياة والعدم في شعره تحكي عنه:

«الكلمات أيضاً تسقط على الأرض/ مثل العصافير التي تصاب بالدوار/ بسببِ حركاتِها المجنونة/ ومثل كلِّ الأشياءِ التي تفقد توازنها/ ومثل الناس الذين يعثرون/ دون أن يصطدموا بشيء/ ومثل المهرجين/ عندها تأخذ الكلماتُ التي/ على الأرض سلمًا/ لكي ترقى إلى ألسنةِ البشر/ في لج..لج.. لجلجتهم/ وفي ثأثأتهم/ ثمّ في جملهم المفيدة/ ولكن من الكلماتِ ما يبقى على الأرض/ فيأتي رجلٌ فيلقاها/ تنتظر في محاكاةٍ مرتبكةٍ/ وكأنها كانت تعرفُ أن شخصًا ما/ سوف يأتي ويجمعُها/ ليصنعَ منها لغةً جديدة/ لغةً لا تتكون إلا من الكلماتِ اللقيطة».

بين المسألة الوجوديّة التي طرحها خواروث والقصائد السورياليّة الرمزيّة التي دبّت في رمق حروفها الحياة لفرط رقّتها وسحرها تقبع أسئلة دائمة لم يجد لها الشاعر جواباً حتّى رحيله الأخير.

وسوم :
مواضيع متعلقة