ربَّ ضارة نافعة.. موسم الصيد بدأ لكن أزمات لبنان أنقذت طيوره

كتبت زيزي اسطفان في “نداء الوطن”:

أسراب الطيور المهاجرة تعبر فضاء لبنان بسلام وهدوء، لا صوت طلقات الخرطوش يُسمع ويعكر صفو تحليقها المهيب في فضائنا. الطيور العابرة “زمطت” هذا الموسم من غدر الصيادين المفلسين وأكملت طريقها شاكرة للبنان أزماته، والطيور المقيمة التي كانت صور جثثها تملأ صفحات الفيسبوك تزقزق اليوم في طبيعة لبنان شامتة بالظالمين الذين أتاهم اليوم الموعود.

بعد مجازر حقيقية بحق الطيور وضعت لبنان في مصاف البلدان المعادية للبيئة وعرضت علاقاته مع البلدان الأوروبية للخطر يأتي هذا الخريف ليمحو اللطخة السوداء عن سجل الصيد في لبنان ويعيد الى الطيور العابرة والمقيمة موقعها في بيئة يتم التنكيل بها من كل الجهات. هواة الصيد وضعوا بنادقهم جانباً وترحموا على أيام ” الفشكة” ومشاوير الصيد بعد ان رماهم الغلاء بنار أسعار الخرطوش وسدت أزمة البنزين عليهم طرقات الصيد. غابوا فتنفست الطبيعة وحلّق الطير في فضائها وتناسل في أرضها.

“وضع الصيد في لبنان في العامين المنصرمين كان مقبولاً على صعيد حماية الطبيعة والطيور يقول أدونيس الخطيب رئيس مركز الشرق الأوسط للصيد المستدام والمنسّق الميداني للصيد المسؤول في جمعية حماية الطبيعة في لبنان، فغلاء خرطوش الصيد مضافاً الى أزمة كورونا وأزمة النقل والمحروقات وصعوبة الوضع الاقتصادي عوامل ساعدت مجتمعة على الحد من العدائية تجاه الطير الى جانب حملات التوعية التي كانت مستمرة وخلقت وعياً لدى الناس كافة عن أهمية الطيور والطبيعة وضرورة التعاطي معهما بشكل مسؤول بعد أن تأكدت المقولة: “بلد بلا طير ما فيها خير”.

نتيجة ذلك لم نعد نشهد تضاؤلاً لأعداد الطيور بل على العكس صار الصيادون اليوم يرون طيوراً يشاهدونها للمرة الأولى بعد اختفائها من بيئتنا وقد رصد ماهر اسطا وهو احد الصيادين المسؤولين في البقاع الغربي نوعاً من طيور البلشون التي لم تكن تفقس محلياً و لكن بسبب الظروف وبنتيجة التوعية وحماية الطيور في منطقة البقاع الغربي استطاع ان “يفقس” في لبنان.

في معادلات الصيد المستدام، يشرح الخطيب، يتم التفريق بين مفهومين مختلفين: الصياد والقوّاص، فالصياد بيئي ومسؤول بينما القواص يطلق النار على كل ما يطير ويتحرّك، وعدم التفريق بين الطريدة المسموح صيدها والطير الممنوع صيده. وثمة تعابير باتت اليوم متداولة هي: الصيد المسؤول المنسجم مع الطبيعة والصيد الجائر الذي يؤذي الطبيعة.

“التوعية مهمة جداً في هذا الإطاريؤكد الخطيب ونحن نستخدم أساليب مبتكرة غير تقليدية تشد الناس أكثر ولا تقوم على إملاءات وشروحات جامدة. فلأول مرة في العالم أقمنا مسيرة للصيادين بكامل عدتهم على ممرات الهجرة التي تعتمدها الطيور في الخريف وتعبر خلالها من أوروبا الى أفريقيا، ثم في الربيع وهو موسم تكاثر الطيور أقمنا تحركاً آخر ومشينا في ممر هجرة الطيور بشكل معاكس اي من الجنوب الى الشمال مروراً بالبقاع الغربي ثم الهرمل فالضنية والكورة.

منذ فترة ايضاً أطلقنا جائزة أسعد عادل سرحال لتصوير الحياة البرية التي جعلت للمرة الأولى الصياد يصطاد “ببارودة” مزودة بكاميرا لا تطلق الخرطوش بل يضغط زنادها على كبسة الكاميرا لاصطياد أجمل الصور. ومؤخراً أنشأنا وحدة مكافحة الصيد الجائر حيث الصيادون المسؤولون يقومون بمكافحة الصيد الجائر ويوعّون الناس في المناطق كافة على أهمية حماية الطيور من صيد الشبك وصيد الليل وحماية الطيور المهاجرة التي يعتبر لبنان ثاني أهم ممر لها ومن مسؤولية شعبه حماية هذه الطيور التي لا تعتبر طريدة صيد.

كذلك أنشأنا مؤخراً قسماً لمساعدة الطيور الجريحة وإسعافها مع د. عبدو كلاسي مكوناً من الصيادين المسؤولين وكل من يرغب من محبي الطبيعة ونحن في صدد إعداد مركز لحضانتها”.

الحفاظ على الطيور عمل جماعي لا يمكن لأفراد مهما صفت نواياهم القيام به لوحدهم، من هنا يؤكد رئيس مركز الصيد المستدام على وجود شراكة قوية مع قوى الأمن الداخلي إذ اخذ المركزعلى عاتقه مسؤولية مساعدتهم وتوثيق المخالفات وإرسالها الى شعبة العلاقات العامة لتتعامل معها بدل ان يقوم رجالها بدوريات مراقبة في كل المناطق وسبق له إقامة نشاطات مشتركة مع قوى الأمن للتوعية حول صيد اللقلق(لألأ) واقامة حواجز مشتركة للصيادين مع قوى الأمن بتوقيت واحد وتوزيع كتيبات توعية.

وإذا كانت الأزمة الاقتصادية نعمة على الطبيعة وطيورها تلامس المعجزة، فإنها ضربة قاتلة بالنسبة لمؤسسات بيع أسلحة الصيد والخرطوش ولوازم الصيادين التي تكاد تكون عاطلة عن العمل حالياً في عز الموسم ونادرون جداً هم الزبائن الذين لا يزالون يعبرون عتبة هذه المحلات لغرض الصيد. ويقول السيد كريم عفيش أحد اصحاب مؤسسة عفيش لبيع أسلحة ولوازم الصيد إن الموسم خجول جداً والصيد لم يعد هواية لكل الناس كما كان في السابق ويمكن القول ان البيع قد تراجع بنسبة97% عما كان عليه في سنوات العز منذ تسعينات القرن الماضي. أزمة البنزين وارتفاع سعر صفيحته إضافة الى ارتفاع سعر الخرطوش بالليرة اللبنانية عوامل ساهمت في القضاء على موسم الصيد كلياً. فأي مواطن او صياد مستعد ان ينتظر في الصف لساعات وساعات ثم يصرف تنكتي بنزين او أكثر من أجل مشوار صيد ؟ صحيح ان سعر الخرطوش لم يرتفع بالنسبة للدولار ولكن أسعار علب الخرطوش تبدأ من 5$ وما فوق وإذا اعتبرنا أن الصياد يحتاج الى عشرعلب تقريباً في مشواره لكم ان تحسبوا كم تبلغ كلفة المشوار مع سعر البنزين وغيره.

أزمة من كل النواحي تواجه هذه المؤسسات فنسبة بيع أسلحة الصيد اليوم صفر يؤكد عفيش وكذلك أكسسوارات الصيد والصيادين أي أن المحلات المختصة قد تلقت ضربة موجعة بعد سلسلة من الضربات بدأت في العام 2019 وتوالت مع أزمة كورونا لتبلغ اليوم أعمق درجاتها نزولاً ولكن لعل شفاعة الطيور ترأف بها وتجازيها خيراً ويكون بعد العسر يسر.

وزير البيئة السابق فادي جريصاتي كانت له مساهمات كبيرة في تنظيم موضوع الصيد الجائر والعشوائي في لبنان وإن لم تسلط الأضواء عليها كثيراً والخطوات التنظيمية التي بدأت في زمن توليه الوزارة حركت هذا الملف الراكد وفتحت أول طاقة أمام الطيور المهاجرة لتعبر منها بسلام فوق سماء لبنان. ويروي الوزير لـ”نداء الوطن” ما واجهه من مشاكل تختص بالصيد عند توليه الوزارة قائلاً: “كانت أمامنا مشكلتان كبيرتان الأولى مشكلة الطيور العابرة التي كادت تعرض علاقاتنا مع بعض الدول الأوروبية ولا سيما بولندا للخطر ومشكلة الطيور المقيمة التي بدأت أعدادها تتناقص بشكل كبير نتيجة الصيد العشوائي.

في الأسبوع الأول لتوليّ الوزارة طلب السفير البولندي في بيروت مني موعداً ليعرض علي قضية صيد طائر اللقلق في سماء لبنان وهو رمز لدولة بولندا وتسعى لحمايته من سنين. وعرفت ان هذا الطير يتعرض لمجازر في لبنان وكثر يصطادونه لا لتناول لحمه بل للتسلية والأذى. عندها أقمنا مؤتمراً في جامعة الكسليك للتوعية حول أهمية ترك المجال لهذه الطيور لتعبر سماءنا بسلام لأنها ليست ملكنا”.

إضافة الى هذه المشكلة كانت هناك مشكلة الصيد العشوائي غير المنظم فبين حوالى 200000 صياد يمارسون هذه الهواية في مختلف أرجاء لبنان هناك فقط 20000 يحملون رخصة صيد. لذا عملت الوزارة بالتعاون الوثيق مع قوى الأمن على فرض الحصول على الرخصة من قبل الصيادين وارتفع عدد الصيادين المرخصين بشكل لافت وتعاونت قوى الأمن بشكل كبير وفعال وصارت تلاحق أي صورة موثقة تصل إليها عن أعمال غير مسموحة يقوم بها الصيادون مثل صيد الطيور العابرة والصيد بالشبك الذي يعتبر جريمة حقيقية بحق الطيور وتوقيف من يتاجر بالشبك.

نتيجة هذه الإجراءات يقول جريصاتي لم تعد هناك تقارير أوروبية صادمة عن صيد اللقلق وكل الطيور العابرة في لبنان لا بل نلنا تهنئة من سفراء الدول الأوروبية على الجهد المبذول والنتائج التي تحققت… وبجهود مشتركة بين وزارة البيئة التي تصدر الرخص وتحدد موعد وإقفال موسم الصيد وقوى الأمن التي تشرف على تطبيق القانون وملاحقة المخالفين وافتتاح الموسم ووزارة العدل عبر المدعين العامين الذين كانوا ينظرون في المخالفات ويلاحقون الشكاوى، وبالتعاون مع الجمعيات البيئية والمجلس الوطني للصيد البري تم تنظيم عملية الصيد وتحديد موسمه.

والموسم يكتسب أهمية كبيرة لأنه يحمي الطيور المحلية ويساعد على تكاثرها فيما ترك الأمور فالتة يجعل قتل الطيور يسبق نسبة نموها ما يهدد وجودها في لبنان، وقد سبق ان فُقدت طيور عدة من مناطق لبنانية كانت تنمو وتتكاثر فيها سابقاً. وفي هذا السياق يقول الوزير جريصاتي: تم تحققيق إنجاز كبير للحفاظ على “حجال” لبنان وزيادة عددها خاصة ان الحجل هو احد رموز لبنان.

بعد مجازر سابقة هل تكون هذه المرحلة السوداء في تاريخ لبنان بيضاء في تاريخ الطيور تعطي الطبيعة استراحة وتساعد البيئة على التجدد وإصلاح نفسها؟ ام يعود تدخل الإنسان ليزرع الموت والقتل والفساد فيها؟

البقاع الغربي، عميق، إغبة وداريا أسماء لمناطق لبنانية كانت تشهد مجازر للطيور الحوامة او الجارحة. وتعتبر منطقة إغبة في كسروان من أكثر المناطق التي تقتل فيها الحوامات او الطيور الجارحة بكثافة غير معقولة لأن المنطقة تعدّ ممراً لها. كما كانت طيور اللقلق والبجع في البقاع الغربي والطيور الجارحة في منطقة داريا في الضنية تتعرض لمجازر مخيفة لكن بالتعاون بين الجمعيات وابناء المجتمع المدني في هذه المناطق من أنصار البيئة جرى القيام بنوع من الحماية لهذه الطيور لا سيما في الضنية وبات ممنوع صيد الطيور الحوامة في المنطقة. والجدير بالذكر أن الكثير من الأشخاص يصطادون الطيور المهاجرة لمجرد التسلية والاستمتاع بمنظرها وهي تتساقط من السماء وذلك عبر نوع من العدائية تجاه البيئة والطيور والجهل بأبسط قواعد الصيد والأخلاق.

المصدر : نداء الوطن