ثغرات حكومة دياب… حيث لا ينفع “التطبيل”

لم تستطع التصريحات السياسية والحملات الاعلامية والشعبية المؤيدة لخطوات وزير الصحة حمد حسن في مواجهة أزمة “كورونا” أن تشتّت أنظار بعض القوى السياسية عن أداء حكومة الرئيس حسان دياب على المستوى الاقتصادي والمالي، إذ أن رئيس “تيار المستقبل” سعد الحريري، أطلق سهامه مساء أمس باتجاه الوعود التي قطعتها الحكومة في العمل على وضع خطة انقاذ اقتصادي تحمي مصالح اللبنانيين وأموالهم، ملوّحاً بما وصفها بـ “فترة سماح” قبل أي “كلام اخر”.

مما لا شك فيه، أن المجهود الجبار الذي بذله وزير الصحة لاحتواء “الفيروس” والحدّ من انتشاره في لبنان، نقطة ايجابية تُحسب لفريقه السياسي، الا أن دور الـ “one man show” الذي لعبه الرجل، سلّط الضوء بشكل اوضح على تقصير الوزارات الاخرى التي ظنّت أن انشغال الشعب بوباء “كورونا” سيطغى على باقي همومه، وينسيه أن الجيب بات فارغاً حتى من ثمن رغيف الخبز!

بات واضحاً أن الرئيس حسان دياب، غير معنيّ كرئيس للحكومة بسائر القطاعات، إذ أنه تمسّك بتفوّق وزير الصحة، المتوقّع لأسباب معروفة، لتسجيله في “كتاب الانجازات” والتغطية على شلل باقي الوزارت! رئيس مجلس الوزراء الذي جال على بعض محال المواد الغذائية في خطوة استعراضية لمراقبة الاسعار، مرة واحدة، في “برمة” سريعة مع تغطية اعلامية لرئيس انتقل منذ التشكيل الى السكن في القصر الحكومي حيث الطعام مؤمّن وكل سبل الراحة، على عكس المحتاجين الذين يكادون يطفحون القهر والحقد كأساً مرّاً لا يروي عطشهم للإطاحة بكل من ساهم في إذلالهم وتجويع اولادهم وحرمانهم من حقّهم في كرامة العيش!

ما الذي أنجزه الرئيس حسان دياب، الذي لا يتوانَى مؤيدو “العهد” عن “التطبيل” لعدد أنفاسه، والسبب مفهوم، من موقعه كرئيس حكومة على مستوى باقي الوزارات؟ وهل لعب دوره المسؤول في مكافحة الهدر والفساد؟ نعم، ان الامر من غير الممكن أن يحصل “في ليلة وضحاها”، وفقاً لتبريرات المهلّلين، الا ان “الشمس شارقة والناس قاشعة” يا دولة الرئيس!

إن اول ما قامت به الدول المتقدّمة مع بداية فرض الحجر الصحي، هو تأمين المعونات الاجتماعية للمواطنين، بالاضافة الى رصد مبلغ شهري لكل عائلة لتأمين التزاماتهم، ناهيك عن القرارات الصارمة المتعلقة بعدم جباية فواتير الكهرباء و”الانترنت” وغيرها لمدة غير محددة، في المقابل فإن حكومة دياب التي تعكّز على انجاز وزير الصحة، لم تقرر حتى اليوم صرف مبلغ 400 الف ليرة لبنانية للعائلات الاكثر حاجة في لبنان، بالاضافة الى الحصص الغذائية، ما اضطر المياوم الى خرق قرار التعبئة العامة لتأمين لقمة عيشه وسائر المصاريف المتوجبة بدل اشتراكات شهرية في وطن فشل التيار “الوطني الحر” الذي تسلّم وزارة الطاقة لسنوات طويلة من تأمين الكهرباء فيه 24/24 رغم الوعود العرقوبية!

لم يفلح دياب حتى اللحظة في وضع خطّة شاملة تضم ثلاثة عناصر: الامن الاجتماعي والامن الغذائي بالاضافة الى الامن الصحي قبل اعلان قرار التعبئة العامة! وفي بحث سريع في قيود قوى الامن الداخلي، يمكنك ان تلحظ ان هذه المرحلة سجلت اعلى نسبة في جرائم سرقات السيارات والدراجات النارية، بالاضافة الى تزايد حالات العنف نتيجة للضغوطات النفسية التي تسببت بها الحاجة! الم يتلفت دياب الى ذلك كله؟ ام ان التوجّه تركّز على ركوب موجة “الصحة” لتسجيل هدف البطولة؟

واذا كنا نريد أن نغلق ملفّ تقصير وزارة الشؤون الاجتماعية، وتقاعس دياب عن المتابعة والتنسيق مع باقي الوزارات ليظهر على هيئة من هو “اد الحمل” في الازمات، فكيف نغفل عن التطرّق الى وزارتي العدل والدفاع؟ دياب الذي نأى بنفسه عن قضية العميل عامر الفاخوري، لم يخرج بأي تصريح او بيان لغاية الان، وكأنه قسّم المسؤولية بين “حزب الله” و “الوطني الحر” على اعتبار ان الملف مرتبط بموضوع العمالة المعني به الحزب اكثر من سواه في لبنان، ولأن الغطاء السياسي الذي مُنح لتهريب الفاخوري جاء مقابل مكتسبات استحصلت عليها احدى القوى السياسية لأهداف شخصية لا وطنية، ورغم ذلك خرج رئيس الولايات المتحدة الاميركية دونالد ترامب ليشكر الحكومة اللبنانية رغم ان رئيسها لم يُبدِ رأياً او يناقش الملف اصلا!

وبالعودة الى العدل لا بدّ ان نتوقّف طويلاً عند التشكيلات القضائية، حيث ان ما جرى يعتبر اهانة للحكومة والسلطة السياسية، إذ انه ولأول مرة في تاريخ لبنان، ينجز مجلس القضاء الاعلى تشكيلات من دون تدخلات سياسية وبالاجماع وضمن معايير الكفاءة، الامر الذي لم يكن يحصل سابقا، وبعد أن أحال المجلس تشكيلاته الى وزارة العدل، رُدّت اليه بطلب من “العهد القوي” الذي سعى الى منح مراكز للقضاة المحسوبين عليه، الا ان المجلس، ولأول مرة في لبنان ايضا، ردّها من دون تعديل الى وزارة العدل التي حفظتها في ” جارورها” لأكثر من 14 يوما، كون الملف اصيب بـ”كورونا” التدخلات السياسية وما الحجر عليه لفترة اطول الا ضربة لهيبة القضاء واستقلاليته.

رئيس الحكومة “القوي”!

ولغاية الساعة فإن رئيس الحكومة “القوي” حسان دياب لم يبادر للاستيضاح من وزيرة العدل حول احتجاز مشروع التشكيلات، الامر الذي يذكّرنا بما قامت به القاضية غادة عون عندما صرحت علناً عبر الاعلام عن حفظ بعض الملفات منذ سنوات والتي لم تقم بتحريكها الا بعد انتفاضة 17 تشرين، رغبة في نفس يعقوب، وكأن “دولته” غير معني بالقضاء او جرى الاتفاق منذ البداية على كف يده عن العديد من الملفات، من ضمنهم القضاء الذي بقي “العهد” الآمر الناهي فيه! فأين هو مبدأ انتظام القضاء وحسن سير العدالة؟

وعلى مستوى وزارة المال، نعلم جميعا ان حراك 17 تشرين انطلق رفضاً لسياسات الهدر والفساد واستمرّ لمكافحة الاستيلاء على ودائع الشعب ولكن، حتى الان، لم تستطع الحكومة ان تخرج بمسودة تنظم العلاقة بين المودعين والمصارف والحد من اجتهاداتها، وحتى ان القرار القضائي الذي قضى بحجز اموال رؤساء مجالس ادارة المصارف تم الرجوع عنه ولم يلزم اي مصرف بإعادة ودائع الناس المهربة الى الخارج، بالاضافة الى ان الحكومة لم تستطع ضبط سعر صرف الليرة مقابل الدولار في السوق السوداء ولا وقف مكامن الهدر وتسلط المصرف المركزي وتحكم جمعية المصارف بأموال المودعين!

اما على مستوى وزارة الزراعة والاقتصاد، فإن غلاء الاسعار على البضائع المستوردة فيبدو مفهوما بسبب تقصير الحكومة بمكافحة سعر صرف الليرة مقابل الدولار. “طيب ” ماذا عن الصناعات الوطنية ومن بينها المنتوجات الزراعية؟ بعد اغلاق الحدود اعتمد “الزعران” من التجار مبدأ قطع المنتوجات لزيادة سعرها، فأين هي عين الحكومة الساهرة؟ ولماذا لا يصار الى معاقبة كل من يحتكر السوق اما بتسطير محاضر بحقه بحسب الاصول القانونية لكونه يرتكب جريمة بحق الامن الغذائي والاجتماعي والا فلتفتح الحدود مع سوريا ويتم استيراد البضائع نفسها بكلفة اقل بـ 90%!

ولعلّ سوريا الغارقة في الحرب والدمار، خير مثال للمتابعة الجدية في ظل الازمات، حيث شاهدنا وزير الاقتصاد شخصيا برفقة لجان مراقبة يقومون بإحالة تجار المفرّق والجملة الى التحقيق، منعا لاحتكار السوق والإضرار بالعباد! اين هو دور وزارة الاقتصاد والزراعة المكلفة بتشكيل لجان في كل الاقضية والمحافظات للقيام بجردة على كل المنتجات المحلية والاجنبية واستجواب التجار حول فروقات الاسعار؟ ولو؟!

اما على مستوى وزارتي التربية والاتصالات، فحدّث ولا حرج! اذ ان الانجازات الملموسة تظهّرت من خلال “التعليم عن بعد” الذي بدت سلبياته اكثر من ايجابياته رغم المحاولات الحثيثة لإنجاحه، لكن التجربة لا تزال حديثة في لبنان، والأمر يتطلب بعض الوقت والجهد ليتأقلم الطلاب والمدرّسين على نمط جديد من التعليم، شبيه بالدول المتقدمة “بلا زغرة”، لكن الفرق انه في لبنان المتجذّر بالفساد! بالاضافة طبعا الى الـ 500 ميغا التي قدّمتها وزارة الاتصالات كهدية بخسة للمواطنين و”مع تربيح جميلة”، والتي لا تكفي اربعة ايام في ظل الحجر القسري والدراسة “اون لاين” مع انقطاع التيار الكهربائي المتواصل وعجز المواطن عن دفع اشتراكات “المولدات” و”الانترنت”! أوليس المشهد هزلياً؟

ولجهة القرارات المتفرقة، تجدر الإشارة الى ملف “سد بسري” الذي سيصار الى تنفيذه في حكومة الرئيس حسان دياب، هذه الحكومة التي تعّهّدت بمكافحة الفساد نقلاً عن “العهد القوي”، واللهُ اعلم، حيث تبيّن بالعين المجرّدة جفاف الارض بعد ستة ايام، ما يعني انها غير صالحة لأن تصبح سدا! ولكنّ الحكومة العتيدة مستعدة لتحمّل عجز 625 مليون دولار دين، “كرمال عين”، بحجة ان القرار صادر في حكومة سابقة واصبح نافذ التطبيق، الامر الذي يجعلنا نتساءل: هل هي حكومة من “رحم الحراك” كما ادّعى بعض الوزراء وعلى رأسهم رئيس الحكومة، ام هي امتداد للحكومات السابقة؟ “ما فهمنا”! “سد بسري” هو فضيحة شبيهة بفضيحة “نهر الكلب” حين اعلن الوزير السابق غطاس خوري بأنه لم يوقّع على الترخيص لإنشاء مركز “الوطني الحر” الذي قام بتجاهل الجريمة البيئية ضد الطبيعة التي قد تكون آخر ما نتغنّى به في هذا الوطن!

وأخيرا، وليس آخرا، فلا بدّ من المرور على ملفّ التعيينات لنائب حاكم مصرف لبنان والتي لم تُنجز، والحمد لله، بسبب التجاذبات بين الافرقاء السياسيين المستترين الذين يحكمون هذه الحكومة!

أيكفي أيها الشعب العنيد؟ أم ما زلت تريد المزيد؟

لبنان 24

وسوم :
مواضيع متعلقة