41% انتخبوا.. الـ59% غير معنيين؟

مرّ الاستحقاق الانتخابي في خير، على الرغم من الخوف الذي كان ينتاب اللبنانيين ممّا كان بعض أبواق السلطة والأحزاب الخائفة على حجمها تبثّه في خطاباتها الإعلامية وفي مطابخها الداخلية على مدى الأشهر السابقة، حيث تحدّثوا عن تفلّت أمني، وحرب شوارع، وتهديدات لشخصيات بارزة وحرب»1975» ثانية قد تودي بتأجيلها. لكنها تمّت، وقلبت الموازين في المجلس النيابي.

إلّا أنّ من يتابع جيدًا، يلاحظ أنّ نِسَب الاقتراع كانت متدنيّة في معظم الدوائر الانتخابية. وقد أفادت وزارة الداخلية أنّها بلغت نحو41 %، فأين الـ59% المتبقية؟ خصوصًا في بلد يعاني المشكلات على أنواعها، من الاجتماعية إلى الاقتصادية إلى الصّحية، فالبيئية، وغيرها… ويبقى السؤال، ما هي الأسباب التي أدّت إلى هذا التّدنّي، علمًا أنّ معظم اللبنانيين كانوا ينادون بالتّغيير وينتظرون صناديق الاقتراع للتعبير عن غضبهم؟

تشرذم أهل الثورة

علت منذ 17 تشرين شعارات الثورة والتغيير، في الساحات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بين المواطنين، وبدت وجوه جديدة من قادة الرأي تظهر أكثر فأكثر. وبعد انتظار ثلاثة أعوام لاختيار التغيير، تفاجأ المواطنون في أنّ الثورة نفسها عجزت عن توحيد صفوفها وقياداتها ضمن لوائح انتخابيّة، وهذا ما أربكهم وذكّرهم بالأحزاب التقليديّة الّتي تتنازع في ما بينها للحصول على «الكرسي»، ممّا جعلهم عاجزين عن اتخاذ قرار واضح للتصويت، فهم يرفضون القوى التقليديّة وفي الوقت عينه خُزلوا نوعًا ما من أداء البديل، خصوصًا في عجزه عن تشكيل لوائح موحّدة في الدوائر الانتخابية.

غلاء المحروقات

من جهة أخرى، لا يمكننا التغافل عن أنّ أسعار المحروقات شكّلت عائقًا كبيرًا أمام كثير من المواطنين (خصوصًا المستقلين)، للوصول إلى أماكن القيد. وفي هذه الحالة، لا يُلام المواطن الّذي بالكاد يستطيع تأمين قوته اليومي، إذا لم يحضر إلى مكان قيده للانتخاب. مع العلم أنّه تمّ التداول في أنّ غالبيّة الأحزاب أمّنت مواصلات لمناصريها لكي يقترعوا. إذًا، الدّخل المتدني للفرد، وغلاء المحروقات قد يكونان من الأسباب الّتي أعاقت إيصال بعض الأصوات الحرّة إلى صناديق الاقتراع.

الهجرة

في السياق عينه، إنّ وضع البلد عامّةً وكلّ أزماته، أوصلا قسمًا كبيراً من اللبنانيين، ولا سيما منهم الفئة الشبابية الفاعلة سياسيًا، إلى الهجرة. وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض هؤلاء عانوا عرقلة تقنية أثناء تسجيلهم للمشاركة في الانتخابات، منعتهم من الإدلاء بأصواتهم.

تناقض الأخبار والإحصاءات

ساهمت وسائل الإعلام في التشجيع على الإقبال للاقتراع وشرح طريقة الانتخاب ونشر التوعية، إلّا أنّها في الوقت عينه ساهمت في تناقض الإحصاءات والمعلومات في ما بينها، ما خلق حالة ضياع لدى الجمهور المتردّد، والذي كان في حاجة الى مصادر موثوقة يتّكل عليها لتحديد اختياره الانتخابي.

الوضع النفسي للمواطنين

ولمعرفة الأسباب النفسية والمجتمعيّة التي قد تكون من أهمّ الأسباب لعدم حماسة عدد كبير من المواطنين للإدلاء بأصواتهم ومحاولة المساهمة في التغيير الّذي يتحدّثون عنه ويطمحون إليه، تواصلت «الجمهورية» مع الأخصائية والمعالجة النفسية مارتين زغبي فقالت:

– «أولاً، إنّنا في بلد يفتقد للثقافة السياسية، أي أننا لا نعلّم أولادنا منذ الصغر في المدارس والجامعات على حقوقهم وواجباتهم كمواطنين، لذلك هم يجهلون أنّ الاقتراع هو ليس فقط حقّ لهم، بل واجب عليهم القيام به تجاه بلدهم ومجتمعهم وأنفسهم. ولأنّ هذه الثقافة السياسية يفتقد إليها نظامنا التعليمي، نرى أنّ العائلات التي لا تنتمي إلى أحزاب سياسية، لكي تنقل إلى أبنائها القضية أو العقيدة السياسية التي تؤيّدها، هم لا يكترثون للعمل السياسي ولا يهمّهم أن يتعاطوا الشأن العام على الإطلاق، وبالتالي لا يشعرون بضرورة الانتخاب وبدورهم في تغيير الواقع، لأنّهم لا يشعرون بالوطنيّة ولا بواجبهم تجاه بلدهم.

– ثانياً، إنّ التجارب السابقة أفقدت جزءًا من المواطنين الثقة بإمكانية التغيير، فيشعرون أنّ اقتراعهم لن يجدي نفعاً والبلد لن يتغيّر مهما فعلوا. وفي الإطار نفسه، يخافون التغيير، خصوصًا أنّهم لا يعرفون شيئًا عن الوجوه الجديدة التي طرحها المجتمع المدني، والإنسان بطبيعته يخاف من المجهول. إذًا، هؤلاء المواطنون يشعرون أن ليس لديهم القدرة على إحداث أي فارق مهما فعلوا، وفقدان الأمل هذا خفّض اندفاعهم وحماستهم للمشاركة في الانتخابات».

بصمة تغيير

أسباب كثيرة إذاً أدّت إلى تدنّي نسبة التصويت لمجلس نواب جديد سيأتي بحكومة ورئيس جمهورية في خلال الاشهر المتبقية من السنة… والأهمّ اليوم أنّ الانتخابات، على الرّغم من هذا التدنّي والخروق التي حصلت، قلبت ولو جزئياً موازين القوى داخل المجلس النيابي، وأعطت درسًا مهمًّا للأحزاب من خلال وجوه الثورة التي تمكّنت من الفوز بثقة الناس وتمثيلهم… ويبقى أمل اللبنانيين أن تزول كلّ الأسباب والمعوقات للانتخابات النيابية المقبلة بعد أربع سنوات، معوّلين على من وصل ليُحدث بصمة تغيير في تاريخ شعبٍ تعب النفاق والذلّ والتجويع.

وسوم :
مواضيع متعلقة