بين تمدّد تصريف الأعمال والتصرّف بالدستور: الرئيس هو الحلّ

كتب النائب ابراهيم كنعان في “النهار”:

لم أكن في وارد الحديث عن موضوع صلاحيات رئيس الجمهورية اللبنانية وإمكان إناطتها بحكومة تصريف الأعمال، بالرغم من كون الدراسة جاهزة لديّ قبل شغور سدة الرئاسة، حتى لا يُساء فهم المغزى منها فتصنّف خارج نطاق الموقف الدستوري البحت.

إلا أن دعوة الرئيس نجيب ميقاتي الحكومة إلى جلسة يتضمن جدول أعمالها خمسة وستين بنداً، جعلتني أبدّل رأيي وأنشر الدراسة التالية حفاظاً على مصلحة البلد العليا وحرصاً على الوفاق الوطني.

“تعددت الآراء وكثرت الاجتهادات في الآونة الأخيرة حول انتقال صلاحيات رئيس الجمهورية اللبنانية بعد انتهاء ولايته بتاريخ 31 تشرين الأول 2022 إلى حكومة تصريف الأعمال التي يرأسها السيد نجيب ميقاتي، إلا أنها بمعظمها قامت على خلفيات سياسية لا تقارب جوهر المشكلة.

فبالرغم من انحسار صلاحيات رئيس الجمهورية اللبنانية بشكل كبير منذ إقرار التعديلات الدستورية التي وردت في وثيقة الوفاق الوطني المعروفة باتفاق الطائف، مازال رئيس الجمهورية يتمتع ببعض الصلاحيات التي نصت عليها أحكام المواد من 51 ولغاية 59 ضمناً من الدستور.

وإنْ كان لا خلاف على كون رئيس الجمهورية يمارس هذه الصلاحيات بالأصالة عند تبوّئه سدة الرئاسة وطالما بقي فيها، إلا أن ممارسة هذه الصلاحيات خلال فترة خلوّ سدة الرئاسة تطرح أكثر من علامة استفهام، إذ يقتضي التمييز بين حالتين لخلو سدة الرئاسة، إذ إن لكل منهما أحكاماً حددها الدستور:

– الأولى، وهي حالة خلو سدة الرئاسة قبل انقضاء الولاية الرئاسية لأحد الأسباب الآتية: الاستقالة، المرض المانع، الاتهام بخرق الدستور أو بالخيانة العظمى، الوفاة، الخطف أو الاحتجاز، الفقدان… أي لأمر طارئ وغير متوقع،

– والثانية، وهي حالة خلو سدة الرئاسة من جراء انتهاء الولاية، أي لأمر معروف ومرتقب.

وقد حددت أحكام الدستور اللبناني الأصول التي يجب اعتمادها لانتخاب الرئيس في كل من هاتين الحالتين:
فعالجت المادة 74 من الدستور أصول انتخاب رئيس جديد في حالة خلو سدة الرئاسة لسبب طارئ أو غير مرتقب، فنصّت على ما يأتي:
إذا خلت سدة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس أو استقالته أو لسبب آخر، فلأجل انتخاب الخلف يجتمع المجلس فوراً بحكم القانون، وإذا اتفق حصول خلاء الرئاسة حال وجود مجلس النواب منحلاً تدعى الهيئات الانتخابية من دون إبطاء ويجتمع المجلس بحكم القانون حال الفراغ من الأعمال الانتخابية.

كما عالجت المادة 73 من الدستور حالة خلو سدة الرئاسة من جراء انتهاء الولاية، فنصّت على ما يأتي:
قبل موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية بمدة شهر على الأقل أو شهرين على الأكثر، يلتئم المجلس بناء على دعوة من رئيسه لانتخاب الرئيس الجديد.
وإذا لم يدعَ المجلس لهذا الغرض فإنه يجتمع حكماً في اليوم العاشر الذي يسبق أجل انتهاء ولاية الرئيس.

وقدمت المادة 75 من الدستور مسألة انتخاب رئيس جديد على ما عداها من أمور تشريعية أو رقابية منوطة بالمجلس النيابي كسلطة مشترعة، فنصّت على:

أن المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية يُعتبر هيئة انتخابية لا هيئة اشتراعية ويترتب عليه الشروع حالاً في انتخاب رئيس الدولة من دون مناقشة أو أي عمل آخر.

مما يعني:

1- أن لا فراغ في حالة خلو سدة الرئاسة بانتهاء الولاية لأن المادة 75 من الدستور، معطوفة على المادة 73، تفيد أن مجلس النواب يعتبر في ما يشبه حالة الانعقاد الدائم خلال الأيام العشرة الأخيرة التي تسبق تاريخ انتهاء الولاية من أجل انتخاب رئيس.
ويذكّر هذا النص بالأصول المعتمدة في انتخاب البابا والبطريرك لدى الطوائف المسيحية، حيث يبقى المجمع الانتخابي ملتئماً إلى حين ظهور الدخان الأبيض، مما يعني أن خلو سدة الرئاسة شبه مستحيل في هذه الحالة، وإلا فإن هناك خللاً بنيوياً في النظام اللبناني تقتضي معالجته.

2- وأن مدة الفراغ في حالة خلو سدة الرئاسة لأمر طارئ وغير مرتقب يجب ألّا تتجاوز العشرة أيام في حال كان المجلس النيابي قائماً، والثلاثة أشهر على الأكثر، هي المدة اللازمة لإجراء الانتخابات النيابية وانتخاب رئيس الجمهورية، في حال كان المجلس النيابي منحلاً.

وحددت أحكام الدستور اللبناني المرجعية التي تمارس صلاحيات رئيس الجمهورية في حال خلو سدة الرئاسة لسبب طارئ وغير مرتقب، فنصت المادة 62 منه على ما يأتي:
في حال خلوّ سدة الرئاسة لأي علّة كانت تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء.

أما ممارسة صلاحيات الرئيس في حال انتهاء الولاية، فلم يتطرق الدستور إليها لأن أحكامه لم تفترض حصول فراغ من جراء عدم انتخاب رئيس قبل انتهاء الولاية، ولذلك جاء نص الفقرة الأولى من المادة 73 حاسماً لهذه الجهة، إذ أتاح المجال لانتخاب الرئيس قبل شهرين على الأكثر من تاريخ انتهاء الولاية، وألزم مجلس النواب بالانعقاد حكماً في الأيام العشرة الأخيرة التي تسبق تاريخ انتهاء الولاية، وحتى من دون تلقّي دعوة للانعقاد.
وعلى قائل بأن نص المادة 62 من الدستور يطبق قياساً، نجيب بأن المبدأ القانوني الراسخ في ما يتعلق بالصلاحيات هو “أن لا صلاحية من دون نص”، من جهة، ولأن نص المادة 62 من الدستور متلازم مع نص المادة 74 منه حتى في استعمال العبارات من جهة ثانية:
– فالمادة 62 تنص على “حالة خلوّ سدة الرئاسة لأي علّة كانت…”، وانتهاء الولاية ليس علة، لأنه مرتقب ومعروف،
– والمادة 74 تنص على “حالة خلو سدة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس أو استقالته أو لسبب آخر…”، أي لعلة طارئة وغير مرتقبة.

ويقودنا البحث في المرجعية التي تمارس صلاحيات رئيس الجمهورية وفقاً لأحكام المادة 62 من الدستور، أي في حال خلو سدة الرئاسة قبل انتهاء الولاية، إلى البحث في أهلية المرجع الذي حددته المادة 62 المذكورة.
فوفقاً لأحكام المادة 62 تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء، الأمر الذي يقتضي أمرين متلازمين:

1- أن يكون هناك مجلس وزراء، لأن عبارة مجلس الوزراء تعني التئام الحكومة في جلسة.
2- وأن تكون صلاحية الحكومة للانعقاد غير مشوبة بأحد العيوب التي حددتها أحكام الفقرة الثانية من المادة 64 من الدستور بنصها على ما يأتي:
… ولا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيّق لتصريف الأعمال.

وبالعودة إلى الوضع القانوني لحكومة الرئيس ميقاتي يتبين:

– أنها حكومة مستقيلة حكماً بنص الفقرة (هـ) من المادة 69 من الدستور التي تقضي بأن تعتبر الحكومة مستقيلة “عند بدء دورة مجلس النواب”.
– أنها منقوصة الصلاحية للالتئام في مجلس وزراء لأنها حكومة تصريف أعمال.
– أن ما من سوابق في لبنان أو في بلدان أخرى ذات أنظمة شبيهة بالنظام اللبناني عولجت فيها مسألة تولي حكومة تصريف أعمال صلاحيات رئيس الجمهورية.

دُعي النواب إلى ثماني جلسات لانتخاب رئيس للجمهورية ولم يتم التوصل إلى انتخاب رئيس لتعذر حصول أي مرشح على الغالبية الموصوفة لانتخابه، أي ثلثي الأعضاء الذين يؤلفون المجلس قانوناً في الدورة الأولى، والغالبية المطلقة في الدورة الثانية التي لم تنعقد ولا مرة بسبب فقدان النصاب.

إن هذا الواقع يعني عملياً:
– تعذر انتخاب رئيس جديد للجمهورية قبل انتهاء ولاية الرئيس الحالي،
– عدم إمكان إناطة صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بأي مرجع، لأن الدستور لم يرتقب حالة عدم انتخاب رئيس، من جهة، ولأن حكومة تصريف الأعمال منقوصة الصلاحيات للالتئام في مجلس وزراء من جهة ثانية.

باختصار،

النظام في مأزق،
والبلد في مأزق،

فأين الحلّ؟؟”.

قد يتذرع البعض بمبدأ استمرارية عمل السلطات الدستورية والمرافق العامة، كمبدأ عام ذي قيمة دستورية، من أجل منع شغور موقع رئاسة الجمهورية، وبالتالي إناطته وكالة بحكومة ولو كانت تصرّف الأعمال، والأجدر التذرع بهذا المبدأ من أجل حثّ المجلس النيابي على الالتزام بأحكام المواد الواضحة والصريحة من الدستور الراعية لحالة انتخاب رئيس الجمهورية والمهل الدستورية المحددة بالتفصيل، لا استعمال هذا المبدأ لتحميل نص المادة 62 من الدستور ما لا يحتمل، لغايات سياسية لا تحقق مصلحة البلد العليا.

فالحل إذاً في انتخاب رئيس للجمهورية، ولا حل سواه.

وسوم :
مواضيع متعلقة