في زمن الانكسارات… رحل جبور الدويهي

ذهب بعيدا في فكره وفي كل كلمة خطها في مسارات رواياته التي حملت المجتمع اللبناني بتقلباته وانقساماته وانتكاساته وهمومه،

فهو لم يتوقف يوما عند الحدث باعتباره المكاني والزماني ، انما غاص فيه باحثا عن الاسباب والنتائج وما بينهما من دموع زرفها اللبناني في حقبات وازمنة مختلفة.

لم يكن جبور الدويهي روائيا عاديا، اذ انه لم يقم يوما ببناء شخصيات واحداث مفتشا لها عن سياق وتطورات تقربها من الواقع والحياة، انما وبحرفية نادرة عمد الى تحويل المُعاش غير المنظور او المحجوب، لسبب او اخر، الى خطوط تحدث من خلالها عما صمت عنه الكثيرون.

لذلك وفي زمن الانكسارات الكثيرة وفي ايام البحث عن الحليب والبنزين والطعام والدواء، ليس غريبا ان يرحل من اعتمد الكتابة دواء لأوجاعه واوجاع بيئته ومجتمعه ووطنه.

رحل جبور الدويهي تاركا للمكتبة اللبنانية والعربية والعالمية عشرات الروايات من “الموت بين الاهل نعاس” الى “ريا النهر” و “اعتدال الخريف” و “عين وردة” و”مطر حزيران” و “روح الغابة” و “شريد المنازل” و حي الاميركان” و” طبع في بيروت” و”ملك الهند” وصولا الى انتاجه الاخير” سم في الهواء” الذي خط فيه اخر افكاره وتطلعاته وافكاره.

جبور الذي نال اكثر من جائزة عالمية ورشح لجائزة “بوكر” للقصة القصيرة، يمكن اعتباره جائزة من العيار الثقيل للحياة الادبية والفكرية والسياسية اللبنانية، فهو، بفكره المتنور وذكائه الفذ، استطاع ان يرسم معالم اللبناني المواطن الذي ما زال حتى اليوم يتخبط في زواريب الطائفية والمناطقية والانتماءات الحزبية.

اللافت في مسيرة الدويهي وبعيدا عن مضمون كتاباته هو الترجمات الكثيرة التي حظيت بها اعماله، فتحول الى سفير فكري لكل مواطن حالم ببلد يشبه احلام الجبال الشامخة وحرية البحار الممتدة من اقصىى الشمال الى اقصى الجنوب.

من يعرف جبور، يعلم جيدا انه قليل الكلام وكثير التفكير، كما يعلم جيدا انه سريع الملاحظة للتفاصيل التي ميزت رواياته وجعلتها قريية وبعيدة في ان معا.

لم تستهوِ الكتابة الالكترونية جبور الدويهي، فظل حتى اخر جملة كتبها متمسكا بقلمه واوراقه وطقوسه الخاصة على طاولة أحد المطاعم برفقة قهوته وحسرته على وطن ضاع وضاعت معه طموحات ابنائه.

رحل جبور الدويهي لتبقى الساحة الثقافية اللبنانية حزينة حتى الموت، اذ انها ، وفي هذا الزمن البشع اعتادت ان تودع الكبار الكبار الذين احبوا وطنهم ولا نعرف ان كان هو قد احبهم.

جيل كامل يتهاوى وجبور آخر الراحلين من صفوفه، فهل من مسؤول يبحث عن كيفية ملء فراغ جيل الفكر والقلم والوطنية؟

المصدر: لبنان 24

مواضيع متعلقة