كيف يؤثر الاهتمام الزائد على اطفالنا؟

تعد “الأبوة الهليكوبتر” أو “الأبوة المفرطة” ظاهرة تُخلّف آثارا سلبية على تطور شخصية الطفل وتؤثر على تقديره لذاته، خاصة عندما يحين الوقت لمواجهة العالم الخارجي.

وقد نشر موقع “ستيب تو هيلث” (StepToHealth) الأميركي تقريرا يتناول فيه صفات الآباء والأمهات المدلِّلين لأبنائهم، وأفضل السبل لتجنب هذا السلوك غير العقلاني في التربية والعناية.

ويقول الموقع إنه من الطبيعي جدا أن يحب كل إنسان أطفاله ويحرص على مساعدتهم؛ ولكن الأبوة المفرطة -أو كما يشير إليها علم النفس بعبارة “الآباء الهليكوبتر”- هي نوع من السلوكات غير الصحية التي يجب تجنبها، أو التوقف عنها في حال كنت تمارسها الآن.

وينبه الموقع إلى أن الأبوة المفرطة في عصرنا الحالي تتسبب في تحويل الأطفال إلى نماذج من الكمال يمنع المساس بها أو الاقتراب منها. وهذا يؤدي لحرمانهم من تجربة تحمل المسؤولية والتعرف إلى أخطائهم وعيوبهم، كما أن هذا الأسلوب يسرق منهم القدرة على التصرف باستقلالية وتحمل المسؤولية.

هذا النوع من العناية المبالغ فيها بالأطفال يتمثل في مراقبتهم والتواجد بالقرب منهم بشكل متواصل، وحثهم باستمرار للاستجابة لانتظارات محددة وبلوغ الكمال في كل ما يقومون به.

وبهذه الطريقة يصبح الأطفال مجرد تماثيل يسعى الأبوان لتشكيلها كما يريدون، عبر الحرص على إشراكهم في كل الأنشطة خارج المدرسة من أجل منحهم الأسبقية للنجاح في المستقبل. ومن الأمثلة على ذلك تسجيلهم في معهد أو ناد لتعلم العزف على آلة موسيقية أو ممارسة الرياضة، أو أخذ دروس تقوية للحصول على نتائج ممتازة. إضافة إلى ذلك يتم إجبار الأطفال على الالتزام ببرنامج يومي صارم، حتى يكونوا في مستوى تطلعات الأبوين.

وفي الواقع من المفهوم أن الأبوين يراقبان حياة الأطفال ويهتمان بهم بشكل مستمر، من أجل دفعهم للتفوق والتميز في المستقبل، ومنحهم الفرص ومستوى العيش الذي لم يحصلا هما عليه في الماضي؛ ولهذا فإنهما يمنحان أهمية قصوى للأنشطة التكميلية خارج المدرسة، وإضافة إلى ذلك فإنهما يحرصان على حماية الأطفال بشكل مبالغ فيه، ويتدخلان لحل كل مشكل يعترضهم.

ومن هنا جاءت عبارة “الآباء الهليكوبتر” للإشارة إلى الأب والأم اللذين يسبحان باستمرار في فلك الطفل (كمروحة الهليكوبتر)، ويراقبان حياته ويحاولان التحكم بكل كبيرة وصغيرة.

إن هذا النوع من التعامل مع الأبناء يؤثر بشكل ملموس على تطورهم الاجتماعي والذهني. ومن أسوأ النتائج التي قد تنتج عنه؛ تضخم الأنا لدى الطفل، بسبب الإطراء المستمر من الوالدين عند نجاحه في تحقيق إنجاز معين. ومن النتائج أيضا:

التأثير على التطور
يحتاج الأطفال للتعامل مع الصراعات والخلافات في المراحل الأولى من حياتهم، حتى يتطور لديهم الوعي بطبيعة العالم المحيط بهم.

ولكن الأطفال المعرضين للأبوة المفرطة لا تتاح لهم فرصة اختبار هذه التفاعلات الاجتماعية؛ حيث إن هذا النوع من السلوك يجعل الأبناء نادرا ما يخوضون الصراعات، لأن الوالدين يمنعونهم من ذلك، فيسارعون لحل كل المشاكل بأنفسهم. بهذه الطريقة أيضا لا تتاح للأطفال فرصة للعب بشكل مستقل مع أقرانهم.

خلق المخاوف وانعدام الشعور بالأمان
عادة ما يكون أطفال “الآباء الهليكوبتر” مصابين بالخوف الشديد وانعدام الشعور بالأمان، والسبب هو أنهم لم تتح لهم فرصة تجربة الحياة على طبيعتها. هذا الأسلوب في التربية له نتائج عكسية، حيث إن الأطفال يعيشون حياة غير سعيدة، ويعجزون عن تكوين صداقات.

عدم تقبل الإحباط
ينتج الإحباط عن استحالة تلبية رغبة أو حاجة يشعر بها الإنسان. وبالنسبة للأبناء الذين يحظون بعناية مفرطة، فإنهم لا يجربون مشاعر الإحباط والخوف والقلق في مراحلهم الأولى، والوالدان لا يقولان لهم كلمة لا ولا يرفضان لهم طلبا، بل يسعيان دائما لحمايتهم والاستجابة لرغباتهم.

هذا الأسلوب في التعامل يجعل الأطفال يكبرون بدون القدرة على التعامل مع الإحباط، وبالتالي فإن ردة فعلهم تكون غالبا الغضب والعنف أو الانسحاب، عندما يعجزون عن بلوغ رغباتهم.

العائلات المتوترة
تصبح العائلة في حالة توتر شديد، في أثناء سعيها لتحمل مسؤولية متابعة أنشطة الأطفال، وتوفير كل مستلزماتهم ودفعهم للنجاح.

كيفية تجنب الأبوة المفرطة
يؤكد الموقع على أن أهم نصيحة لتجنب الأبوة أو الأمومة المفرطة، هي أولا الوعي بخطورة هذا الخطأ والاستعداد لتغيير الأسلوب. بعد ذلك يتم منح الطفل درجة استقلالية بحسب العمر، ليتمكن من تنظيم ملابسه وألعابه، أو اتخاذ قرارات أخرى أكثر أهمية.

كما ينصح الموقع العائلات بالتخلي عن فكرة التخطيط الدقيق للطفولة؛ بل يجب فسح المجال للطفل للتصرف بمفرده والاستمتاع بالقيام ببعض الأنشطة، حتى يكتشف قدراته واهتماماته. ومن حق الطفل أيضا ارتكاب الأخطاء وتجربة الإخفاق، فهو في النهاية ليس مطالبا بأن يكون كاملا.

كما ينصح الموقع الآباء بالتوقف عن حل كل مشكلات أطفالهم، وفسح المجال لهم لتطوير قدرتهم على التعامل مع الصعوبات بأنفسهم.
المصدر: أ.ف.ب – الجزيرة